الغزالي

196

إحياء علوم الدين

وما يجمعه من مفرقات التلبيسات يهلكه الله دفعة واحدة . فقد حكى أن واحدا كان له بقرة يحلبها ، ويخلط بلبنها الماء ويبيعه ، فجاء سيل فغرّق البقرة . فقال بعض أولاده ، ان تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن ، اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة . كيف وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « البيّعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما ، وإذا كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما » وفي الحديث « [ 2 ] يد الله على الشّريكين ما لم يتخاونا فإذا تخاونا رفع يده عنهما » فإذا لا يزيد مال من خيانة ، كما لا ينقص من صدقة : ومن لا يعرف الزيادة . والنقصان إلا بالميزان ، لم يصدق بهذا الحديث . ومن عرف أن الدرهم الواحد قد يبارك فيه حتى يكون سببا لسعادة الإنسان في الدنيا والدين ، والآلاف المؤلفة قد ينزع الله البركة منها حتى يكون سببا لهلاك مالكها ، بحيث يتمنى الإفلاس منها ويراه أصلح له في بعض أحواله ، فيعرف معنى قولنا : ان الخيانة لا تزيد في المال ، والصدقة لا تنقص منه والمعنى الثاني الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح ، ويتيسر عليه . أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا . وان فوائد أموال الدنيا تنقضي بانقضاء العمر ، وتبقى مظالمها وأوزارها . فكيف يستجيز العاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، والخير كله في سلامة الدين . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « لا تزال لا إله إلَّا الله تدفع عن الخلق سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم » وفي لفظ آخر « ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم بسلامة دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا لا إله إلَّا الله قال الله تعالى كذبتم لستم بها صادقين » وفي حديث آخر [ 4 ] « من قال لا إله إلَّا الله مخلصا دخل